العلامة الحلي

119

الباب الحادي عشر ( مع شرحيه النافع يوم الحشر للسيوري ومفتاح الباب للحسينى )

العقليّة دلّت على كونه تعالى منزّها عن الآلات . وما أجاب به الجمهور عن ذلك من أنّ احتياجنا في السّمع والبصر إلى آلاته إنّما هو بسبب عجزنا وقصورنا ، وذات الواجب لبراءته عن القصور يحصل له بلا آلة ما لا يحصل لنا إلّا بها ، وليس هذا إلّا قياس الغائب على الشّاهد مع الفرق الواضح بينهما ، فهو خروج عن المعقول كما هو في دأبهم في كثير من الأصول ، على أنّه قد وقع من بعضهم قياس الغائب على الشّاهد في هذا المقام في الدّليل المذكور لإثبات أصل الإدراك كما أشرنا إليه آنفا . وما استدلّوا به على أنّ السّمع والبصر صفتان زائدتان على العلم من أنّا إذا علمنا شيئا علما تامّا جليّا ، ثمّ أبصرناه نجده بالبديهة بين حالتين فرقا ، ونعلم بالضّرورة أنّ الحالة الثّانية تشتمل على أمر زائد مع حصول العلم فيهما ، فذلك الزّائد هو الإبصار . وكذا الكلام في السّمع وساير الإدراكات بالحواسّ ، فذلك على تقدير تمامه إنّما يدلّ على كون السّمع والبصر زائدين على العلم في الإنسان ، وأمّا في الواجب تعالى فكلّا ، إلّا أن يبنى الكلام على قياس الغائب على الشّاهد ، وفيه ما لا يخفى مع انّهم استبعدوا ذلك في هذا المقام وغيره من المقامات . الصّفة السّادسة من الصّفات الثّبوتية أنّه تعالى قديم أزليّ باق أبدىّ ، القديم ما لا يكون وجوده مسبوقا بالعدم ويقابله الحادث . والأزلىّ ما لا بداية له سواء كان موجودا في الخارج أولا ويقابله المتجدّد فهو أعمّ من القديم . والبقاء استمرار الوجود ، والأبدىّ ما لا نهاية له ، فالأزلىّ مؤكّد للقديم ، والأبدىّ مخصّص للباقي . وإنّما عدّ هذه الصّفات الأربع صفة واحدة باعتبار أنّ مجموعها راجع إلى السّرمدية وهي كون الشّيء لا بداية ولا نهاية له . وإنّما قلنا باتّصافه تعالى بتلك الصّفات لأنّه واجب الوجود لذاته كما برهن عليه فيما سبق ، والواجب الوجود لذاته يستحيل عليه العدم مطلقا ، ضرورة انّ مقتضى الذّات يمتنع أن ينفكّ عنه قطعا فيستحيل العدم السّابق واللّاحق عليه فيثبت اتّصافه بتلك الصّفات ، لأنّ استحالة العدم السّابق تستلزم القدم والأزليّة ، واستحالة العدم اللّاحق يستلزم البقاء والأبديّة .